الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
132
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتّفصيل : التّبيين ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ في هذه السّورة [ 55 ] . و لِكُلِّ شَيْءٍ مراد به أعظم الأشياء ، أي المهمّات المحتاج إلى بيان أحكامها في أحوال الدّين . فتكون ( كلّ ) مستعملة في معنى الكثرة كما تقدّم في قوله تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ في سورة البقرة [ 145 ] . أو في معنى العظيم من الأشياء كأنّه جمع الأشياء كلّها . أو يراد بالشّيء : الشّيء المهمّ ، فيكون من حذف الصّفة ، كقوله : يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [ الكهف : 79 ] ، أي كلّ سفينة صالحة ، ومثله قوله تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] . وقوله : لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ رجاء أن تؤمنوا بلقاء ربّهم ، والضّمير عائد إلى معلوم من المقام وهم بنو إسرائيل ، إذ قد علم من إيتاء موسى عليه السّلام الكتاب أنّ المنتفعين به هم قومه بنو إسرائيل ، ومعنى ذلك : لعلّهم إن تحرّوا في أعمالهم ، على ما يناسب الإيمان بلقاء ربّهم ، فإنّ بني إسرائيل كانوا مؤمنين بلقاء اللّه من قبل نزول التّوراة ، ولكنّهم طرأ عليهم من أزمنة طويلة : من أطوار مجاورة القبط ، وما لحقهم من المذلّة والتغرّب والخصاصة والاستعباد ، ما رفع منهم العلم ، وأذوى الأخلاق الفاضلة ، فنسوا مراقبة اللّه تعالى ، وأفسدوا ، حتّى كان حالهم كحال من لا يؤمن بأنّه يلقى اللّه ، فأراد اللّه إصلاحهم ببعثة موسى عليه السّلام ، ليرجعوا إلى ما كان عليه سلفهم الصّالح من مراقبة اللّه تعالى وخشية لقائه ، والرّغبة في أن يلقوه وهو راض عنهم . وهذا تعريض بأهل مكة ومن إليهم من العرب ، فكذلك كان سلفهم على هدى وصلاح ، فدخل فيهم من أضلّهم ولقّنهم الشّرك وإنكار البعث ، فأرسل اللّه إليهم محمّدا صلى اللّه عليه وسلّم ليردّهم إلى الهدى ويؤمنوا بلقاء ربّهم . وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر البعث والجزاء . [ 155 - 157 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 155 إلى 157 ] وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 155 ) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ ( 156 ) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ ( 157 )